السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

212

مفاتيح الأصول

لو جعلنا القول الأخير من ذلك القبيل يلزم الإجمال فيه وأما إذا جعلناه كلاما مستقلَّا يلزم البيان وهو أولى من الإجمال لأنا نجيب عنه بنحو ما أجبنا عنه سابقا من أن الاستقلال خلاف الظاهر ومع هذا فما ذكر إنما يتجه لو كان الأمر في القول الأول مجملا حين الخطاب أي غير مقترن بقرينة تدلّ على المراد وأما إذا كان الإجمال حاصلا بالنسبة إلينا باضمحلال القرينة فلا لأن القول الأخير كالقول الأول في متن الواقع وإنما الإجمال حصل بالنسبة إلينا مفتاح اعلم أنه اختلف الأصوليّون في الحكم المقيد بغاية في مقامين أحدهما في دخول الغاية في دينها بمعنى شمول حكمه لها وقد تقدم الكلام فيه وثانيهما في أن التقييد هل يدلّ على مخالفة ما بعدها لما قبلها أو لا وهذا هو محل النّزاع في مفهوم الغاية وربما قيل إن محلّ النّزاع هو الأوّل وهو بعيد جدّا فإذا عرفت محلّ النزاع فاعلم أن في المسألة قولين أحدهما ثبوت الدلالة وهو الذي اختاره المحقق والعلامة والسّيّد عميد الدّين وصاحب المعالم كما عن أبي الحسين البصري والقاضيين والرازي والغزالي بل مستفاض نقله عن أكثر المحققين وجعله العضدي أقوى من مفهوم الشرط قال وقال به كل من قال بمفهوم الشرط وبعض من لم يقل به كالقاضي عبد الجبّار انتهى وتعدى بعض وقال إنه منطوق لا مفهوم وثانيهما المنع من الدلالة وهو الذي حكي عن المرتضى والآمدي وأبي حنيفة وأصحابه وجماعة من المتكلمين والفقهاء والأقرب الأول لأن معنى صوموا إلى الليل بحكم التبادر صوموا صوما يكون آخره اللَّيل فلو وجب بعد مجيئها لم يكن الليل آخرا بل وسطا حجة المخالف انتفاء الدلالات الثلاث أما المطابقة والتضمّن فباعتراف الخصم وأما الالتزام فلأنه لا ملازمة مطلقا بين وجوب القيام إلى الليل وانتفائه فيها ولذا لا يمتنع ورود خطاب دال على وجوب الصيام فيها مع عدم المناقضة للأوّل وأن مفهوم الصّفة ليس بحجة فكذا هذا قال السّيّد من فرق بين تعليق الحكم بصفة وبين تعليقه بغاية ليس معه إلا الدّعوى وهو كالمناقض لفرقه بين أمرين لا فرق بينهما ثم قال فإن قيل أي معنى لقوله تعالى أتموا الصيام إلى الليل إذا كان ما بعد اللَّيل يجوز فيه الصوم قلنا وأي معنى لقوله عليه السلام في سائمة الغنم زكاة والمعلوفة مثلها فإن قيل لا يمتنع أن يكون المصلحة في أن يعلم ثبوت الزّكاة في السائمة بهذا ويعلم ثبوتها في المعلوفة بدليل آخر قلنا كذلك لا يمتنع فيما علق بغاية حرفا بحرف انتهى والجواب المنع من عدم اللزوم بل هو ظاهر عرفا كما صرح به في المنية فقال إنه لا يمكن تصور الصوم المقيد بكون آخره اللَّيل منفكا عن تصور عدمه في اللَّيل على ما تقدم وإمكان شمول الوجوب لهما بورود وخطاب بعد الحكم المقيد بالغاية يدل بمثله لما بعدها لا يدل على عدم اللزوم بل يكون مبينا لعدم إرادة حقيقة الغاية من لفظها ولو صرّح بأن المراد بلفظ الغاية حقيقتها كان ذلك نسخا عند من يجوز النسخ في مثله لكونه رفع حكم شرعي ومن لا يجوّزه يدعي استحالة وقوع هذا المفروض أو يقول الحكم المستند إلى الخطاب الأول مغاير للحكم المستند إلى الخطاب الثاني وإن ماثله فهو موجود حال عدم الأول انتهى مفتاح اعلم أن الحصر قد يستفاد من منطوق الكلام وقد يستفاد من مفهومه فأمّا الذي يدل عليه بالمنطوق فكثير منها إنما بكسر الهمزة وإنما بفتحها وقد تقدم الكلام فيها ومنها العطف في نحو زيد شاعر لا كاتب وزيد شاعر لا عمر ومنها الاستثناء من النفي سواء كان المستثنى منه مذكورا نحو ما جاءني أحد إلا زيدا أو مقدرّا نحو ما زيد إلا شاعرا وما شاعر إلا زيدا لأن المستثنى منه المذكور أو المقدر عام ومن جنس المستثنى فإذا خص بعض الإفراد واستثنى من العموم بقي الباقي مندرجا تحت العموم فيجيء الحصر أما المقدمة الأولى فلأن الاستثناء لا يكون إلا من العموم ولذا اشتهر أن الاستثناء دليل العموم ولو سلم جوازه من غيره فهنا للعموم قطعا لأن النكرة في سياق النفي ولو تقدير للعموم وأما المقدمة الثانية فواضحة ولكن هذا مبني على أن الاستثناء من النفي إثبات ومن منعه لا يجوز له دعوى الحصر وممن صرّح بأن هذا المنطوق يفيد الحصر وضعا القزويني والتفتازاني قال الثاني لأن الواضع وضع لا وبل والنفي والاستثناء وإنما لمعان تفيد الحصر ولكن يظهر من بعض أنه المفهوم ومنها التصريح بلفظ الحصر ونحوه وأما الَّذي يدل على الحصر بالمفهوم فكثير أيضا منها تعقيب المسند إليه بضمير الفصل مع كون الخبر افعل من كذا نحو زيد هو أفضل من عمرو فإنه يدل على أن الأفضلية من عمرو منحصرة في زيد وقد صرّح بإفادته الحصر نجم الأئمة والقزويني وحكاه في المغني عن كثير من البيانيين ولهم وجهان أحدهما التبادر عرفا وثانيهما أنه لولا الحصر لخلي الضمير عن الفائدة إذ لا يصلح أن يكون تأكيد العدم جواز تأكيد الظاهر بالضمير كما صرّح به نجم الأئمة ولا فارق بين النّعت والخبر في الضمير في نحو زيد هو العالم إذ الاحتياج إلى الفرق إنما يكون بعد الالتباس ولا يلتبس الخبر بالنعت هنا قطعا ومنها تقديم ما هو حقه التّأخير على ما صرّح به علماء المعاني فيما حكي عنهم قيل وجعلوه أنواعا الأوّل تقديم